*حين تُقاس الحرب بمعدّل 9.5 من 20* «من حقّي أن أحمل كتابي وأدرس في غرفة». بهذه الكلمات البسيطة، التي لا تحتاج إلى شرح، اخت

عاجل

الفئة

shadow
*حين تُقاس الحرب بمعدّل 9.5 من 20*


«من حقّي أن أحمل كتابي وأدرس في غرفة».

بهذه الكلمات البسيطة، التي لا تحتاج إلى شرح، اختصر الطفل النازح فضل، كل ما عجزت عنه بيانات وزارة التربية ومؤتمراتها الصحافية. لم يطلب فضل امتحاناً أسهل، ولا معدّلاً أرحم، ولا إفادة نجاح. طلب غرفة هادئة، بلا مُسيّرات تحلّق فوق رأسه، وبلا صواريخ تنبئه بالليل قبل أن ينام.

وعلى بُعد كيلومترات قليلة من غرفته التي لم يجدها، روت طالبة من مدينة الخيام أنها تتقاسم غرفة واحدة مع عدد كبير من النازحين، لا هدوء فيها ولا اتصال بالإنترنت، حتى صار الاستعداد للامتحان، على حدّ وصفها، أمراً شبه مستحيل. وفي بيروت، وبينما كانت سينتيا فقيه أمهز تتابع مصير ابنتها الطالبة في الصف التاسع، لاحظت أن القرارات التي اتُّخذت، وإن حسنت نيتها، رسّخت أمراً خطيراً: تقسيم البلد الواحد إلى مناطق آمنة وأخرى لم تعد كذلك، حتى داخل العاصمة نفسها.

هذه ليست مشاهد خياليّة، ولا استعارات أدبية استُدعيت لتحريك المشاعر. إنها شهادات حقيقية وثّقتها وسائل إعلام عربية ودولية في الأشهر الماضية، من قلب حرب تشنّها إسرائيل على لبنان منذ الثاني من آذار، أودت بحياة آلاف الشهداء وشرّدت أكثر من مليون إنسان، معظمهم من الجنوب والضاحية والبقاع، أي من البيئة التي تُصنّف «بيئة مقاومة».

ماذا يُطلب من هؤلاء أن يتكيّفوا معه؟
فقدان البيت، الأب، الأخ؟ أم مع القلق، أو مع وزارة تصرّ على أن تقيس تجربتهم الإنسانية الثقيلة بمسطرة واحدة، هي نفسها التي يُقاس بها تلميذ لم يبرح بيته يوماً، ولم يسمع صوت انفجار إلا في نشرة الأخبار؟
بعد أشهر من التصلّب والإصرار على إجراء الامتحانات كما هي، حتى في مراكز مهدّدة بالقصف، تراجعت وزارة التربية جزئياً، فمنحت إفادات نجاح لمن حقّق معدّلاً مدرسياً لا يقل عن 9.5 من 20، مع الإبقاء على دورة استثنائية اختيارية لمن يريد الحصول على شهادة رسمية، بحجة أن بعض الجامعات في الخارج، والمنح، لا تعترف بغير الشهادة.

للوهلة الأولى، يبدو هذا القرار تنازلاً إنسانياً. لكن من ينظر إليه عن قرب يكتشف أنه لم يحلّ المعضلة، بل أعاد إنتاجها في ثوب جديد.
فالسؤال البسيط الذي يطرحه اليوم الأهل والمعلّمون والتلامذة، هو: من يملك، في خضمّ هذا النزوح والفقر المستجد، القدرة على خوض دورة استثنائية إضافية، والتفرّغ لها والاستعداد لها، بينما لا يزال يبحث عن سقف يؤويه؟

أليس الميسور، المقيم في منزله الآمن، هو نفسه من سيملك ترف «الاختيار» بين الإفادة والشهادة، بينما يُترك ابن مدن مثل الخيام وصور والنبطية أمام خيار واحد لا ثاني له؟ بهذا المعنى، لم تُنه الوزارة الظلم، بل منحته شكلاً قانونياً وغطاءً من الشرعية. صار في الدفعة الواحدة تلميذان: واحد «نجح بإفادة»، وآخر «نجح بامتحان»، وكأنّ الحرب لم تكفِ هؤلاء الأبناء عبئاً، فحمّلناهم أيضاً عبء التصنيف طوال حياتهم الجامعية والمهنية، بحسب الوثيقة التي يحملها كل واحد منهم.

العدالة ليست أن يُعامَل الجميع بالتساوي، بل أن يُعامَل كل واحد بحسب حاجته. هنا، بالتحديد، يكمن جوهر الخلل. المسألة ليست تفصيلاً إدارياً، ولا خلافاً حول رقم 9.5 من 20. منذ عقود، قدّم الاقتصادي الهندي أمارتيا سن، الحائز على جائزة نوبل، فكرة بسيطة وعميقة في آن واحد: «إن المساواة بين إنسانين لا يملكان الفرصة نفسها ليست عدالة، بل شكل من أشكال الظلم المُقنّع بلغة المساواة».

حين تُمنح «الحرية الشكلية» لتلميذين، أحدهما يملك غرفة وإنترنت وهدوءاً، والآخر لا يملك سوى الخوف والضجيج والفقد، فإن المسافة الحقيقية بينهما لا تُقاس بالمعدّل الذي حصّله كل منهما، بل بالقدرة التي أُتيحت لكل واحد منهما على التحصيل أصلاً. وقد سبق عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو إلى هذا المعنى، حين بيّن أن المدرسة، عندما تعامل الجميع بمعيار واحد متجاهلة اختلاف الظروف التي أنتجت هذا «المعيار»، لا تكسر الفوارق الاجتماعية، بل تعيد إنتاجها وتُلبِسها لباس الاستحقاق الفردي. عندها يبدو النجاح وكأنه ثمرة جهد شخصي بحت، بينما هو، في جزء كبير منه، انعكاس لموقع اجتماعي لم يختره أحد.

بعد أشهر من التصلّب والإصرار على إجراء الامتحانات كما هي، حتى في مراكز مهدّدة بالقصف، تراجعت وزارة التربية جزئياً، فمنحت إفادات نجاح لمن حقّق معدّلاً مدرسياً لا يقل عن 9.5 من 20


وعندما ننظر إلى تجربة هذه البيئة تحديداً، بيئة الصمود والمقاومة، يصبح المطروح أكثر من مجرد سؤال تربوي. إنه سؤال كرامة. كان المربّي البرازيلي باولو فريري، صاحب كتاب «تربية المقهورين»، واضحاً حين بيّن أن أخطر ما يمكن أن تفعله منظومة تعليمية بمن أنهكتهم الحرب والفقر، هو أن تطلب منهم «التكيّف» مع واقع ظالم، بدل أن تعمل على تغيير شروط هذا الواقع.

والمفارقة أن عبارة «عليك أن تتكيّف» هي حرفياً ما سمعه أطفال هذه الحرب من مسؤولين تربويين، وكأنّ التكيّف مع القصف والنزوح مهارة يمكن تعلّمها كما تُتعلّم قاعدة نحوية. وحتى جون ديوي، الذي استُشهد به في مقالات دافعت عن صرامة الامتحان بوصفه تدريباً على الحياة، قال بوضوح إن التربية ليست إعداداً للحياة، بل هي الحياة عينها.

فإن كانت التربية هي الحياة، فكيف يكون امتحان يتنكّر لحياة التلميذ الفعلية، بكل ما فيها من نزوح وفقد وخوف، امتحاناً تربوياً أصلاً؟ إن من يستحضر ديوي ليبرّر به الصرامة يستحضره في غير موضعه. فديوي بالذات كان سيسأل أولاً: أي حياة يُراد للامتحان أن يحاكيها، إن لم تكن حياة التلميذ كما يعيشها فعلاً، لا كما نتخيّلها نحن من مكاتبنا الآمنة؟

العالم لم يخترع هذه المعضلة اليوم
الأمر الذي تتعامل معه وزارة التربية اللبنانية بوصفه استثناءً محيّراً، عالجته منظومات تعليمية أخرى عاشت حروباً لا تقل قسوة، من خلال أطر واضحة سبقتنا إليها. فمنظمة اليونسكو، ومعها الشبكة المشتركة للتعليم في حالات الطوارئ، وضعتا منذ سنوات معايير معتمدة عالمياً للتقييم في أوقات الأزمات، تقوم على مبدأ بسيط: لا يجوز إخضاع المتعلّم في زمن الحرب لأداة تقييم صُمّمت أساساً لزمن السلم.

سوريا، وفي أحلك سنوات حربها، لجأت إلى تأجيل الامتحانات وتوزيع مراكز بديلة للنازحين. وغزة، تحت القصف المباشر، اعتمدت أشكالاً من التقييم المستمر والتعلّم عن بُعد، بما لا يُقصي أحداً بذريعة «المعادلة» بين ظروف غير متكافئة أصلًا. أمّا أوكرانيا، وهي دولة أوروبية تملك إمكانات أكبر بكثير من لبنان، فقد عدّلت جداول امتحاناتها وأدواتها بما يراعي ملايين النازحين داخلياً وخارجياً، من دون أن تنشئ طبقتين من الشهادات. والأهم من كل هذه التجارب أن القانون الدولي نفسه لا يترك الأمر لاجتهاد وزارة أو مزاج مسؤول.

فالمادة الثالثة عشرة من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تكفل الحق في تعليم متاح للجميع بإنصاف. كما تشترط اتفاقية حقوق الطفل أن تكون «مصلحة الطفل الفضلى» هي المعيار الأول في أي قرار يخصّه، لا مصلحة الصورة الإعلامية للدولة، ولا رغبتها في إثبات أنها «صامدة بالتربية كما تصمد بالقتال»، على حد تعبير الوزيرة نفسها في أحد تصريحاتها.
الصمود الحقيقي لا يُقاس بعناد إداري يصرّ على إجراء امتحان في مركز مهدّد بالقصف، بل بمرونة تشريعية تحمي حق كل طفل، أينما كان، وأياً تكن التسمية السياسية لمنطقته.

حين تكون اللامبالاة هي المشكلة
الأخطر من القرار نفسه هو المسار الذي أوصلنا إليه. فقد كشفت تقارير موثّقة عن خلاف نشب بين وزيرة التربية ووزيرة الشؤون الاجتماعية، بعدما طُلب من الأولى تزويد الثانية بلائحة مدارس رسمية يمكن استخدامها مراكز إيواء إضافية لموجة نزوح جديدة، فرفضت. ورأت مصادر متابعة أن هذا الرفض لا يعبّر إلا عن غياب خطة استجابة حقيقية، أو عن عدم اهتمام أصلاً بملف النازحين منذ البداية.
وحين سُئلت الوزيرة عن كيفية مراعاة أوضاع الطلاب النازحين في مراكز الإيواء، جاء جوابها معلّقاً على «تطورات إقليمية» يُنتظر أن تحسم الأمر، وكأن مصير تعليم مئات الآلاف من الأطفال قرار يمكن إرجاؤه إلى حين وضوح المشهد السياسي، وليس استحقاقاً إنسانياً وتربوياً عاجلاً بذاته. وهذا ليس اتهاماً شخصياً لأحد، بل توصيف لمنهجية.

المطلوب اعتراف صريح بأن التعليم الرسمي، بمدارسه ومعلّميه على اختلاف تسمياتهم، هو خط الدفاع الاجتماعي الأول عن أبناء الفئات الأقل حظاً


حين تُدار أزمة تعليمية بمنطق الانتظار السياسي، لا بمنطق الاستجابة الإنسانية الفورية، فإن أول من يدفع الثمن هم أضعف الحلقات: التلميذ النازح، والمعلّم المتعاقد الذي يرتبط رزقه بعدد الشُّعب والحصص، والأستاذ الرسمي الذي وجد نفسه فجأة مسؤولاً عن علامة كان يضعها في سياق صفّي محدود، فتحوّلت، من دون إرادته، إلى بديل عن شهادة وطنية.
ما الذي نطلبه إذاً؟
ليس المطلوب معركة كلامية إضافية حول من أصاب ومن أخطأ. المطلوب تصوّر مختلف تماماً لمعنى العدالة في زمن الحرب، يقوم على ثلاثة أسس متكاملة.

أولًا: إفادة نجاح موحّدة
إفادة النجاح الموحّدة، تتمتع بقوة قانونية مساوية تماماً لقوة الشهادة الرسمية، وتُمنح لكل طالب مسجّل رسمياً في السنة نفسها، من دون ازدواجية بين «مُعفى» و«مُمتحن»، ومن دون أن تفتح الباب أمام سؤال قاسٍ يلاحق هذا الجيل حتى الجامعة: أي وثيقة تحمل أنت؟ فإذا كانت الظروف الاستثنائية قد فرضت تعليق الامتحان، فإن مقتضى العدالة هو تطبيق الأثر نفسه على الجميع، لا تقسيم الدفعة الواحدة بحسب قدرة كل أسرة على تحمّل كلفة دورة إضافية.

ثانياً: تشريع دائم للتعليم في حالات الطوارئ
المطلوب تشريع دائم، لا إجراء موسمي، ينظّم التعليم في حالات الطوارئ، أسوة بما فعلته دول أخرى سبقتنا إلى هذا الطريق المؤلم، إذ ينبغي وضع أطر تقنّن التعلّم عن بُعد، والتقييم التراكمي القائم على ملف إنجاز الطالب، والمرونة في أوقات النزوح، حتى لا تضطر الوزارة، في كل حرب مقبلة، لا سمح الله، إلى الارتجال من جديد، وكأن التاريخ لا يعلّمها شيئاً.

ثالثاً: حماية التعليم الرسمي
المطلوب اعتراف صريح بأن التعليم الرسمي، بمدارسه ومعلّميه على اختلاف تسمياتهم، هو خط الدفاع الاجتماعي الأول عن أبناء الفئات الأقل حظاً، وليس عبئاً إدارياً يُدار بمنطق الحساب والتوفير. فعندما تهتز ثقة الأهل بالمدرسة الرسمية، لا يخسر القطاع العام تلميذاً هنا أو هناك، بل يخسر المجتمع بأسره فكرة أن التعليم حق، لا امتياز يُشترى.

خاتمة: من يرسب حقاً؟
في نهاية هذا العام الدراسي، سيحمل آلاف التلامذة إفادات نجاح، وسيهنّئهم من حولهم، وستُلتقط الصور، وتُنشر البيانات الرسمية عن «استمرارية العملية التعليمية رغم الظروف». لكن السؤال الذي لن تجيب عليه أي إفادة نجاح هو: من الذي رسب فعلاً هذا العام؟ هل رسب الطفل فضل، الذي لم يطلب سوى غرفة هادئة؟ أم رسبت منظومة كان يُفترض بها أن تجد له هذه الغرفة، قبل أن تسأله عن معدّله؟

التاريخ، كما ذكّرنا أحد كتّاب هذه المرحلة، لا يُنصِف أحداً ولا يظلمه، بل يمنحنا فقط المسافة الكافية لنرى الصورة كاملة. وحين تتّسع هذه المسافة بعد سنوات، لن يُسأل أحد عن حجم الجدل الذي رافق قراراً إدارياً بعينه، لكن الجميع سيتذكّر: هل وقفت الدولة إلى جانب أبناء الجنوب والضاحية والبقاع حين كانوا الأضعف، أم تركتهم ينتظرون «تطورات إقليمية» لتقرّر مصير طفولتهم؟ فالعدالة، في زمن الحرب أكثر من أي زمن آخر، ليست أن تُعامل الجميع بمسطرة واحدة، العدالة أن تنحني قليلاً نحو من انحنى عليه القصف، لا أن تطلب منه أن يقف مستقيماً كمن لم يُصب بأذى.

الناشر

هدى الجمال
هدى الجمال

shadow

أخبار ذات صلة